أحمد بن علي الرازي

107

شرح بدء الأمالي

بإرادته ، معصية العاصي ، وكفر الكافر جائز إلا أنه بين لهم طريق الهدى والضلالة ومحدث لهم الاستطاعة ساعة فساعة . وليس لهم أن يعرفوا حقيقة الإرادة ، ولو عرفها لكان له مثال ، وحاشى أن يوصف الرب جلت قدرته بجميع صفاته بالأمثال . حجة المعتزلة : أن يرى الخير من الله والشر من نفسه لقوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] . معناه : أي من فعل نفسك ، وهو أن لا يضيف الشر إلى الله تعالى عند الانفراد مراعاة للأدب ، وإن كان ذلك من العبد بتخليق الله تعالى إياه ، لأن الإضافة على نوعين : إضافة تحقيق ، وإضافة إكرام ، فإضافة التحقيق مثل قوله : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ [ آل عمران : 189 ] . وإضافة الإكرام مثل قوله : بيت الله ، ناقة الله ، رسول الله . فالطاعة والمعصية خارجتان عن إضافة التحقيق ؛ لأن ذلك مذهب المجبرة ، ثم الطاعة مكرمة مرضية جاز أن [ 54 ] تضاف إلى الله تعالى عند الانفراد فيقال : الخير من الله ، ثم المعصية ليست بمحل الإكرام حتى تضاف إلى الله عند الانفراد « 1 » بل عند الجملة كما قال الله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . فإن أشكل هذا عليك في الأفعال فاعتبر في الأعيان ؛ فإنه لا يقال : يا خالق الخنازير والحيات والعقارب مراعاة للأدب ، بل يقال يا خالق كل شيء . ثم مذهب أهل السنة والجماعة يقول : إن فعل الخير والشر من العبد ، وتقدير الفعل من الله تعالى ، والثواب والعقاب لا يجب بأفعال العباد إنما بتقدير الله تعالى لقوله تعالى : وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ يس : 54 ] .

--> ( 1 ) قوله : « ثم المعصية ليست بمحل الإكرام حتى تضاف إلى الله عند الانفراد » . . إلخ قول صحيح إلا أننا نقول : بل يجوز إضافة المعصية لله لا على سبيل الإكرام بل على سبيل تفخيم الأمر المنهى عنه ولكونه صادر من الله . وقد روى عن الكثير من الصحابة والتابعين والأئمة في كلامهم إضافة المعصية إلى الله كما قال ابن مسعود رضي الله عنه عن التقوى : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله . وسيأتي للمؤلف في كلامه في غير هذا الموضع إضافة المعصية إلى الله ، وقد أشرنا لذلك في موضعه بعون الله ، والله أعلم .